سيبقى يوم 22 يوليوز 2023 يوماً عصيباً على الجيل الذي شاهد مباريات كأس العالم بالمكسيك بمشاركة “أسود الأطلس” سنة 1970، وأيضا الجيل الذي عاش “جنون” فوز المنتخب الوطني بـ”كان” 1976، لأنّ المناسبتين تجمعهما معادلات مهمّة ضمن أبرز عناصرها حسن أمشراط، الذي توفي، السبت، بعد صراع طويل مع المرض؛ وهي الفجيعة التي خلقت نوعاً من الحزن في الوسط الكرويّ القديم/الجديد، لتستنفر الذاكرة وترغمها على استعادة مشاهد الكرة بين أقدام عسيلة.
كان الفقيد، الذي صرخ لأول مرّة إعلانا عن مولده بمدينة المحمدية سنة 1948، من أبرز نجوم كرة القدم المغربيّة على مرّ العصور، الذين طبعوا “التراث الكروي” لـ”أسود الأطلس”، حيث قدموا منجزاً رياضيا رائعا، لا يزال يتذكره الكثيرون بانتشاء واعتزاز وحنين إلى الماضي. عسيلة كان يحاور الكرة بسلاسة، ويحقّق متعة كبيرة وهو يروّضها برأسه وصدره، وكانت له يسرى ساحرة تجعل الخصم لا يعرف إن كان سيمرر أو سيسدد، كما كان بارعاً في تنفيذ الركنيات.
بلبودالي: إنسان راقٍ
يقدّم لنا عزيز بلبودالي، الباحث في الشأن الرياضي وكذا صديق الراحل عسيلة، نظرة عنه كشخص، حيث يصفه بأنّه “كان محبوبا لدى الجميع، وهذا ما يعكسه الحضور الكثيف في تشييع جثمانه اليوم، وتقاطر التعازي من الإعلاميين والفاعلين السياسيين والجمعويين.. كل هذا يبين بأنّ عسيلة عاش محبوبا ومات محبوبا وسيظل كذلك”، مضيفا أنّ “هذا الرجل كان من النوع النادر، عايشناه منذ الصبا وكان كتوما ومتسامحا ولطيفا وخجولا بشكل لا يتصور، يعكس أصالة الأمازيغ وبساطتهم البالغة، وفضلا عن ذلك كان هرما من أهرامات كرة القدم المغربيّة”.
وهو يدلي بشهادته حول صديقه الراحل، قال بلبودالي إنّ “عسيلة كان عفيفا، ورفض، بمعية زميله أحمد فرس، عدة عروض انهالت عليهما، خصوصا سنة 1973 أو 1974، حيث تلقى شباب المحمدية عرضا مغريا من نادي إشبيلية الإسباني، فرفضا معا لكونهما كانا يعتقدان أن اللّعب بعيدا عن المحمدية سيبعدهما عن المنتخب الوطني”، مشيرا إلى أنهما “كانا يعتبران نفسيهما جنديين يدافعان عن قميص “أسود الأطلس”، وهذا يعكس المعدن الذي كانه عسيلة على المستوى الشخصي، وليس فقط على المستوى الاحترافي”.
وأضاف أن “عسيلة لو كان يريد إغراءات الحياة لفعل، لكنه كان قنوعا ومعتزا بكرامته، ولعب في وقت لم تكن هناك إمكانيات كبيرة في مجال كرة القدم، وشرّف بلده هو وزملاؤه”، لافتا إلى أن “الوضعية التي توفي فيها عسيلة يجب أن تذكرنا بضرورة تأسيس تعاضدية عمومية للرياضيين السابقين لكون الراحل كان من الهدافين المغاربة الستة الذين تجاوزوا 100 هدف في البطولة الوطنية، وهو ثالث هداف في تاريخ المنتخب الوطني بعد أحمد فرس في المرتبة الأولى وصلاح الدين بصير في المرتبة الثانية”.
الهرهار: لاعب كان يسير في السماء
مصطفى الهرهار، وهو مدرب سابق في قسم الهواة وخبير في الشأن الرياضي، يعتبر أنّ “عسيلة نموذج للاعب المغربي الذي رسم مساراً متميزاً خاصا به من حيث التقنية والأداء والمراوغة والتهديف”، مبرزا أنّ “هذا ما ساعده على اكتساب حبّ المغاربة الذين جايلوه؛ وهو من القلائل الذين أثبتوا أنّهم موهوبون بالسّليقة، وأنّ “الجلد المدوّر” كان عقيدة بالنّسبة لهم، خصوصا أنه في تلك الفترة التي بزغ نجمه لم يكن هناك تكوين في المجال الرياضي”.
وأضاف الهرهار أنّ الراحل كان متواضعا خارج الملعب، لكنه يصير شرسا وفتاكا حين يلمس الكرة، سيما أنه شكّل مع أحمد فرس ثنائيّا خطيراً أربك حسابات الخصوم، سواء حين كانا في المنتخب الوطني أو في شباب المحمدية”. وأشار إلى أن عسيلة “يعتبر من الهدّافين القلائل في تاريخ المنتخب، فحين نتأمل مسار اللاعبين الكبار من عياره نتأكد أن اللاعب المغربي هاوٍ بطبعه ومستعد للاحتراف بشكل تلقائي، بمعنى أنه لم يخضع لتكوين، لكنه كان يسحر كلما لمس الكرة”.
وختم تصريحه قائلا: “نتأسّف أن يغادرنا عسيلة اليوم. لقد ترك حزنا عميقاً لدى أسرة كرة القدم المغربيّة ومن استمتعوا بمشاهدته في الملعب. كان يجري بالكرة وكأنه يسير في السّماء لكثرة ما كان متمسكا بزمامها بين قدميه”، لافتا إلى أنّ “عسيلة كان نادراً في لعبه، وساهم في رفع علم بلاده، وكان عفيفا ومخلصاً لوطنه. ومن المحزن أنه قضى حياته في الهامش بعد اعتزاله كرة القدم، لكن حتى لو أنه اعتقد أنه غاب عن الأنظار فلم يغيبه التاريخ لكونه لا يزال عالقا في أذهان الجيل الذي شاهده مباشرة في الملعب”.
الشراط: عضو ثلاثي الرعب
أما المعلق الرياضي عبد الحقّ الشراط، فقال إنّه حين يسمع اسم عسيلة أو حسن أمشراط فهو يتذكره “داخل الملعب وهو يداعب “الجلد المدور” باحتراف قلّ نظيره، وبثبات وثقة يصعب وصفهما”، مشيرا إلى أن “هذا اللاعب، الذي غادرنا إلى دار البقاء، يذكر كل الذين جايلوه بلاعب كان يشكل عضوا حيويا داخل ثلاثي الرعب إلى جانب إدريس حدادي وأحمد فرس. فثلاثتهم كانوا يربكون حسابات العديد من الخصوم، وكانوا معتزين إلى درجة كبيرة باللعب في المنتخب الوطني المغربي وارتداء قميصه بكل ما يشكله ذلك من فخر وحب ووطنية”.
وأضاف الشراط، في شهادته التي قدمها لهسبريس، أنّ عسيلة كان “إحدى ركائز المنتخب الوطني الذي أهدانا كأس أمم إفريقيا الوحيد حتى الآن؛ وحين أستحضره أستحضر كل اللاعبين من جيله، الذين خلقوا جوا فرجويا خرافيا داخل الملاعب”، مضيفا أنّ “عسيلة ظاهرة ساحرة ربما لن تتكرر، لكن للأسف لم يأخذ حقه إعلاميا كواحد من اللاعبين الذين رفعوا علم المغرب عاليا؛ غير أنه يبقى حاضرا في ذاكرة عشاق كرة القدم وتاريخها المرتبط بالمغرب والمنطقة”.
وتابع أنّ “لاعبين بهذه القيمة وهذه الكاريزما وهذا الإرث التّاريخي يجب أن لا يذهب رصيدهم سدى، ومن ثمّ يجب على الفرق المغربية أن تشتغل بجدية على الخزانة الرّياضية لصيانة الذاكرة ومقاومة اندثارها كصور ومعطيات، وضمانها للأجيال المقبلة”. وختم تصريحه قائلا: “أنا أتذكره في أوج عطائه، ولو كنت رأيته خارج الملعب لما صدقت أنه لاعب كرة قدم، لكن حين يرتدي القميص ويدخل الملعب يصبح لاعبا من طراز فريد! عليه الرحمة والمغفرة”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.