كرة القدم قد تسرق لاعبيها من حضن أبائهم في سن صغيرة، وتحرمهم من عيش الحياة الطبيعية كأقرانهم، كما أنها عامل أسسي في مغادرتهم مقاعد الدراسة ومؤسسات التكوين.
الولع بالساحرة المستديرة أشبه بجرعات أفيون مركزة يتعاطاها الشباب، تخلق منهم نماذج متشابهة همها الأسمى مداعبة الكرة وتحقيق الأهداف والفوز في المباريات وجمع الأموال ثم إنفاقها.. قليلون من استطاعوا الخروج من هذا القالب وصنعوا شخصية رياضية مختلف خاصة بهم، وكيان يعيش تغيرات المجتمع خارج حلبة القتال أو ملعب كرة القدم. هذه هي الخلاصة التي خرج بها العديد من المهتمين بعالم الساحرة المستديرة.
غير أنه ووسط كومة لاعبي كرة القدم الباحثين عن تسجيل هدف والخروج على غلاف أشهر مجلات الرياضة، سطع نجم لاعب تساوى لديه حب القدم، والقلم معا، فتمكن من أن يكون طبيب أطفال ناجح كما هو لاعب كرة قدم مميز، اسمه وكما هو مدون في دفتره العائلي، سقراط برازيليرو سامبايو دي سوزا فييرا دي أوليفيرا، أوالدكتور سقراط كما يحب أن يلقبه محبوه.
ظاهرة إنسانية متفردة بعيدة عن أي مقارنات، عزم و إصرار وإحساس بالمسؤولية تجاه الجمهور، وتجاه الوطن، هكذا عاش وهكذا مات اللاعب البرازيلي سقراط.
سقراط الذي انضم إلى نادي فيورنتينا الإيطالي عام 1984، أمتع الجماهير الإيطالية بألعابه المثيرة، لكن سرعان ما عاد أدراجه إلى البرازيل بعد أن دخلت كرة القدم في حسابات رجال الأعمال وأصبحت استثمار مربحا أكثر من أنها رياضة ومتعة.
مواقف سقراط تعدت محيط كرة القدم لتصل إلى السياسة حيث كان أول رياضي معارض للنظام الدكتاتوري في البرازيل، بل إنه تزعم حركة (دمقرطة)، والتي قادها من نادي كورينثيانز الذي كان يمارس فيه أنذاك، حيث وقف بشكل حازم تجاه حكم العسكر المستبد وكان ضمن الحركات الشيوعية المطالبة بالمساواة والحرية والديمقراطية.
رغم إيمان سقراط بالعمل السياسي ومساعيه لتحقيق العدالة الاجتماعية بالبرازيل، كان متألقا في الملاعب فتمكن من تسجيل 168 هدفاً في 302 مباراة خاضها مع نادي كورينثيانز خلال خمسة مواسم، وقاد ناديه إلى التربع على عرش الكرة في أمريكا الجنوبية، كما أنه كان من أبرز العناصر في منتخب البرازيل خلال مسيرة رياضية دامت تسعة أعوام.
اليوم يدخل المخرج الإيطالي الكبير ميمو كالوبريستي، بداية فلم عنوانه “لاعب اليسار” يروي من خلاله قصة الأسطورة سقراط، وقدرته على الجمع بين خفة الرياضة وهدوء الطب وعنفوان السياسة، الفلم مقتبس عن كتاب يحمل نفس العنوان كان قد صدر منذ أيام، للمؤلف الإسباني كيكي بينادا، الذي سرد حياة رجل تمكن خلال حياته من علاج الأطفال وإمتاع جماهير كرة القدم، والمساهمة في صنع مجتمع حر ومستقل وديمقراطي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.