كأس العالم 2022 في الحقيقة أكثر من تظاهرة رياضية أو عرس كروي، هو بالنسبة لقطر إنجاز العمر، في أن تتمكن دولة صغيرة من أن تحتضن على رقعة أرضها منافسة أكبر الكؤوس و أمجدها، و أن تجلب لشعبها الذي يصل إلى أقل من مليون نسمة، كل أصناف البشر من كل بقاع العالم.
مونديال قطر، أكبر بكثير من مجرد مباريات تدخلها مجموعة من المتخبات، ويفوز بها منخب، بل هو عملية حسابية سياسية واقتصادية وإستراتيجية عنوانها الغاية تبرر الوسيلة.
عندما دخلت قطر الدولة الخليجية حلبة المنافسة حول احتضان كأس العالم، كانت كل التوقعات تنذر بفشل بلد لا تتعدى مساحته 11000 كيلومتر مربع، خاصة وأنها كانت تتبارى مع الولايات المتحدة وأستراليا وكوريا الجنوبية واليابان. أهم وأكبر الدول على جميع الأصعدة والمجالات.
ولأن لا وجود للمستحيل مع الإرادة والمال، استطاع ملف قطر أن يضرب عظمة الولايات المتحدة ونظام أستراليا، والتقدم الصناعي الياباني، والمناخ الكوري الجنوبي.
بلد صغير بتحديات كبيرة يستضيف أضخم تجمع بشري في العالم، كان أول تساؤل يتبادر إلى الأذهان: كيف ستستقبل قطر كل هذه الحشود البشرية؟ هذا السؤال وجدت له الحكومة القطرية الحل في تعميق الشراكات مع دول الجوار ودول مجلس التعاون الخليجي من خلال فتح أبواب الفنادق الفخمة بكل من الإمارات العربية والمملكة السعودية والبحريين في أبواب مشجعي كرة القدم طيلة فترة المنافسة.
الإشكالية الأكبر هي اعتراض بعض المنتخبات على خوض المنافسة في بلد تفوق في حرارته بالصيف 50 درجة.
أزمة مناخية كهذه تطلبت الاستعانة بخبرة أجنبية من دول أوروبية وأسيوية لتركيب مكيفات داخل الملاعب تخلق مناخ معتدل ومناسب للمنافسة.
رغبة قطر في استضافة المنافسة جعلتها تجد حلولا لكل ما هو مستحيل، ولم يعد أمامها سوى عائق واحد هو الزمن، الذي باتت تصارعه بأرواح العمال النيباليين.
فمنذ أيام فجرت الصحف البراطانية قضية تحت عنوان: “عبودية العصر الحديث”،حيث تبين أن عشرات العمال النيباليين لقوا حتفهم بينما كانوا يعملون فى قطر خلال الأشهر القليلة الماضية بمشاريع المونديال.
وفي الوقت ذاته رفع الاتحاد الدولي للنقابات العمالية شعار” لبطاقة الحمراء” في وجه الاتحاد الدولي لكرة القدم كنوع من التحذير، على ما قد يترتب عنه صمت “الفيفا” تجاه الخروقات الإنسانية التي يعاني منها العمال بقطر، حيث كشف تقرير صادر عن نفس الهيئة أنه أزيد من 400 عامل نبالي لقوا مصرعهم في أماكن اشتغالهم بالدوحة.
ومن جهتها دعت منظمة العفو الدولية قطر إلى وضع حد لممارسات الاستغلال التي تطال العمال الوافدين عبر تعزيز حمايتهم وتطوير قوانين العمل.
وفي أكتوبر الماضي نظم نحو 50 شخصا مظاهرة أمام مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم في زيوريخ احتجاجا على أجواء العمل في قطر، منددين بصمت الاتحاد الدولي لكرة القدم على ما يحصل للعمال، معبرين على أن هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان باتت تؤكد بعض النظريات، المشككة في نزاهة وشفافية حصول قطر على استضافة المونديال، معلنين أنهم يرفضون قطعا متبعة مونديال تفوح منه رائحة الموت.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.