لم تكن رحلة فريق الفتح الرباطي إلى مدينة “لوبومباشي” الكونغولية لمواجهة “مازيمبي” المحلي خطيرة بما يكفي لاستنتاج أن إفريقيا أرض سوداء و”مرعبة”، بل بالعكس، فالجماهير المحلية استقبلت الفريق المغربي بالرقص والتوعد بالهزيمة فقط، ولا شيء غير ذلك منذ أن وطأت قدماه أرض “الغربان”.
تأخر الرحلة من مطار الرباط لم يوقف حماس لاعبي نادي العاصمة، وروح الفريق ظهرت طيلة الرحلة التي امتدت لحوالي تسع ساعات، دون احتساب توقف ضروري بـ”دوالا” الكاميرونية للتزود بالوقود والطعام اللازمين لاكمال الرحلة الإفريقية، إذ عاش اللاعبون أجواء جيدة قبل الوصول إلى الكونغو من خلال محادثاتهم مع طاقم الطائرة أو أفراد البعثة، وظهر جليا أن التركيز يخيم على الجميع بغية العودة إلى المغرب بنتيجة تمكنهم من التأهل إلى الدور النهائي.
صحيح أن الخصم قوي و”مرعب”، لكن الفتح أقوى من ذلك بعزيمة “رجالاته” ومدربه “الذكي” وليد الركراكي، الذي بدأ يفهم شيئا فشيئا طريقة تفكير الفرق الإفريقية، وما أكد ذلك، هو البرنامج الذي وضع للرحلة وعدم فرضه ضغطا على اللاعبين الذين يكنون له احتراما خاصا وكأنه فرد من عائلتهم.
الوصول إلى مطار “لوبومباشي” كان في الساعة الثانية صباحا بالتوقيت المحلي، هدوء تام وغياب للمسافرين وانضباط من قبل العاملين به، وابتسامة تكسر عياء الرحلة الطويلة..في انتظارنا حافلة ومجموعة من السيارات لتأمين الرحلة إلى الفندق دون تواجد لرجال الأمن المحلي..لتصل البعثة إلى الفندق والتعب باد على وجوه الجميع، ويتوجه الجميع إلى غرفه تأهبا ليوم جديد.
صباح اليوم الموالي، كل شيء هادئ ومستقر إلا الحرارة، تنخفض تارة، وترتفع في أحيان كثيرة..بعد الإفطار، الرحلة إلى الملعب لخوض التدريب الوحيد على أرضية ملعب “تي بي مازيمبي”، المتواجد بنفس المنطقة: “كاطانغا”..
فور خروج الحافلة إلى شوارع “كاطانغا”، تعرفت الجماهير المحلية على حافلة الفتح الرباطي، وتفاعلت معها إلى حين الوصول إلى ملعب المباراة برقصة “الفيمبو” المحلية، وهي تتوعد بالفوز بنتيجة ساحقة، فالبعض يشير بأصابعه بالانتصار بخمسة أهداف أو أربعة أو ثلاثة..وهو ما تفاعل معه لاعبو الفريق المغربي ووعدوا بالانتصار في جو لم يخلو من مرح ممزوج بثقة ساهم فيها الركراكي طيلة مقامه بالفريق.
يوم المباراة، وقبل صافرة البداية بساعات، انطلقت طقوس الجماهير المحلية وتزينت شوارع المدينة بألوان وشعارات “مازيمبي”، وكأن اليوم عيد وطني توقفت فيه الحياة وانتظر فيه الجميع ظهور لاعبي فريق المدينة لتشجيعهم على الفوز على الفتح وتسجيل أهداف كثيرة للعب العودة بدون مشاكل.
الساعة تشير إلى الواحدة والنصف بالتوقيت المحلي، عبرنا نحو منصة الصحافة المتواجدة بجانب الجماهير.. ملعب منظم رغم صغره، كل شيء فيه تظن أنه اختار لنفسه مكانه الخاص، اللون الأبيض والأسود يزين الفضاء وشعار التمساح منتشر في كل الأرجاء..رجال ونساء يرتدون قميص النادي “الأنيق”، والكل يبحث عن مكانه حسب الرقم الذي كتب في تذكرته الخاصة..تشجيع إفريقي خالص بعبارات ملحنة بإيقاعات القارة السمراء والجميع يهتف: “هييي مازيمبيييي، هييي مازيمبيييي..”
من بين النقاط التي تحسب للجماهير هو احترامها لبعضها البعض، وعلاقتها بالملعب واعتباره فضاء للجميع يجب المحافظة عليه لرؤية فريقهم المفضلى حتى إن الأنصار يتصدون بنفسهم لحالات الشغب، ويساعدون رجال الشرطة لإبعاد المشاغبين، وكمثال على ذلك، هو إخراج أحد الأشخاص من الملعب بسبب رميه لقنينة فارغة من المدرجات، ليلبي الأمن طلب “الزبناء” الذين يؤدون ثمن التذكرة.
انتهى التشجيع والضغط الممارس من قبل الجماهير بعد إعلان الحكم عن نهاية اللقاء، وأول ما قاموا به هو التصفيق الحار للاعبيهم ولاعبي الفتح الرباطي بكل روح رياضية، بل وأكثر من ذلك، فحارس موجرمى الفتح الرباطي الذي أدى بشكل جيد، بات في نظرهم البطل القاهر الذي يقف في جميع وجه من يحاول أن يمسه بسوء.
في الطريق إلى المطار، ألقى الكونغوليون التحية على حافلة ممثل المغرب، وضربوا لهم موعدا في الإياب بمولاي الحسن، طامحين في أن يكون التأهل من قلب العاصمة، كما تقابلوا مباشرة مع وليد الركراكي، مدرب الفريق، في مطار المدينة وقدموا له التهنئة على الطريقة التي لعب بها، ومتمنين له ولجميع الطاقم المغربي رحلة سعيدة إلى أرض الوطن.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.