ديربي من وراء القضبان!

ديربي من وراء القضبان!
الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 - 17:00

كل زاوية من مرافق سجن “عكاشة” بمنطقة عين السبع في الدار البيضاء، تتنفّس ضيق الاعتقالات، أحلام المساجين وآمال ذويهم عند الزيارات، إلى حين الأسبوع الذي سبق موعد “ديربي كازا بلانكا” لكرة القدم، بين الرجاء والوداد المغربيين، وقتذاك، تلونت الزنازين بالأخضر والأحمر، ليزيل المساجين ثوب السواد، ويحوّلوا الأصفاد إلى أساور تحمل أسماء الفريقين!

في الثامن عشر من أبريل الماضي، وقبل ثلاثة أيام من موعد “ديربي” الدار البيضاء بين الرجاء والوداد الرياضيين، تنقلت “هسبورت” إلى مركز الإصلاح والتهذيب بـ”عكاشة” الذي يأوي القاصرين من النزلاء داخل السجن، لرصد أجواء “الديربي” هناك، وبحثا عن أجوبة قد لا يتفكر فيها الحرّ كثيرا، مثل كيف يعيش السجين شغفه بكرة القدم وبالفريق الذي يعشق ألوانه؟ كيف يجعل النزيل من فوز فريقه المفضل وسيلة للترويح عن النفس؟ وإلى أي حد يساعد الانتماء إلى فريق معين على السفر من وراء القضبان إلى المدرجات؟ ما مدى الندية التي تجمع المساجين في جو كروي محض وهم مُقسّمون إلى رجاويين ووداديين..!

الانتماء.. مفتاح زنزانة في يد سجين!

“حين يفوز الوداد، أشعر بأنني لست داخل السجن.. أتابع تفاصيل النادي وشغف الجماهير التي تبدع في المدرجات وأنا هنا أبكي..! حين يفوز الوداد نحصل على جرعة وافرة من الأمل..!”، هذه خلاصة كل القصة على لسان نزيل “ودادي” بسجن “عكاشة”.

وأما جاره في الزنزانة، المراهق “الرجاوي”، فاعتبر أن “الحرية” مجرد تفصيل تافه لم يستطع النيل من وفائه لـ”الأخضر”، وقال: “منذ فتحت عيناي على هذه الحياة وأنا أعشق الرجاء، من البديهي أن أستمر في تشجيعه ومتابعة أخباره عن كثب حتى وأنا داخل السجن.. فحُبّ الأخضر أنيسي في زنزانتي”.

وسائل التشجيع.. مسموحة بوجودنا!

كان لزيارة جريدة “هسبورت” لسجن عكاشة بمناسبة “الديربي” رقم 126 في تاريخ الرجاء والوداد البيضاويين في الدوري المغربي لكرة القدم، الأثر البليغ على نفسية المساجين، ذلك أنها شكلت فرصة لهم للحصول على امتيازات خاصة من إدارة السجن، بدايةً من تنظيم مباراة “ديربي” خاصة بهم، تجمع بين النزلاء “الرجاويين” و”الوداديين”، مرورا بتمكين من لم يحظوا بفرصة المشاركة في المباراة من وسائل تشجيع ممنوعة عادةً.

كالأطفال الصغار اندفعوا نحو الملعب، وهو من بين المرافق الترفيهية الموضوعة رهن إشارة النزلاء داخل السجن، يرددون الأغاني والشعارات، وأعينهم تحملق إلى أعلام الرجاء والوداد حرةً تطير الخيلاء في السماء، تلوّح بها أيادٍ أسيرة؛ اللاعبون توجهوا إلى وسط الملعب والبقية، حوالي مئتي سجين، توزعوا على مدرجين، أحمر وأخضر”، محملين بطبول وأوشحة للأولتراس.

عندها فقط، نالوا تذكرةً افتراضية لولوج ملعب “محمد الخامس”، ومارسوا طقوساً خاصة فوق مدرجاته وهم يهتزون فوق مدرجات السجن.. عندها فقط باتوا مساجين أحرار، وغنوا أفضل شعار!

“في بلادي ظلموني”.. من داخل “عكاشة”!

ونحن نهم بولوج الملعب لمتابعة أجواء “الديربي المصفد”، بمعية محسن عرفون، مدير المركز السجني، ويسبقنا بخطوات رجال أمن وحراس، وَصَلَنا صدى شعار “في بلادي ظلموني” يردده السجناء بلا قيود؛ الحراس أمامنا ارتبكوا، فهي ليست مجرد أغنية يرددها أنصار الرجاء البيضاوي فقط، بل صرخة الشعب المغربي “المقهور”، التي خلقت التوجس داخل الحكومة المغربية، وتحولت لسمفونية يؤديها كل بئيس في العالم العربي!

استمر المساجين في ترديدها وصدى أصواتهم يصدح حريةً وكرامة؛ فلا هم توقفوا بدخول المدير ورجال الأمن، ولا صوتهم انخفض، بل اهتز الملعب مرددا “في بلادي ظلموني، لِمَن نشكي حالي، الشكوى للرّب العالي، هو داري بِحالي..”، حينها كانوا فعلا أحرارا، كصوتهم الذي سُمِع خارج السجن.

وعند سؤالنا لسجين “رجاوي” عن ما تعنيه له هاته الأغنية وهو داخل السجن، لم يجد حرجا في التمتع بحرية التعبير التي كفلها له الدستور المغربي، قائلا أمام مسمع مسؤول وازن داخل المركز: “في بلادي ظلموني تعني كل ذرة من معاناة الشعب.. كما أنه يترجم أيضا واقع تغييب القانون!”.

للوداديين أغنية تبكيهم في السر والعلن!

أغنية “بدموع الميمات، نكتب هاذ السطور، حياتنا سبيطارات، يا كفن يا جيور// بدموع الأمهات، أكتب هاته الأسطر، حياتنا إما في المستشفيات، أو كفن أو سجن”، من الشعارات الحزينة التي تترجم معاناة المشجع “الودادي”، والمغربي عموما، في ظل “القمع” الممارس من السلطات المغربية على مجموعات “الأولتراس”.

سجين “ودادي” يقول: “الأغنية المذكورة تعني لي الكثير، أرددها باستمرار في زنزانتي مذرفا الدموع مرارا وتكرارا.. هنا أحس بكل حرف من الأغنية.. أحس بالفخر بوداديتي رغم أنني نشأت في حي يستوطنه الرجاويون”.

ثلثا النزلاء رجاويون.. مفخرة!

للرجاء المغربي جمهور يتفاخر في عز أزماته ومعاناته بشعبيته الكبيرة في العالم بأسره، في كل بقعة وداخل أية مؤسسة، وإن كانت سجنية!

مدير المركز الإصلاحي بسجن عكاشة، وفي إحصائيات تقريبية، أكد أن ثلثي نزلاء المركز المكون من ستة أحياء ومن حوالي تسعمائة سجين، هم مشجعون للرجاء البيضاوي، وهاته النسبة تبقى ثابتة أو تتغير قليلا بتغير الفترات والمساجين.

ورغم الندية الموجودة بين المساجين “الوداديين” و”الرجاويين”، والنكاية ببعضهم البعض في إطار التنافس خارج الملعب، أكد مدير المركز أنه لم تسبق للأمور أن خرجت عن السيطرة أو تطورت لعراك، إذ يتحلى السجناء بالروح الرياضية بتأطير من مرافقين اجتماعيين ونفسيين يعملون على تطوير سلوك المحبوسين.

يتابعون كل الدوريات ومن وراء القضبان!

تطبيقا لمقتضيات المادتين 620 و621 من قانون المسطرة الجنائية المغربية، وفي إطار السهر على احترام حقوق السجناء والعناية بهم، اختارت إدارة سجن “عكاشة” تزويد الزنزانات باشتراك مع شبكة قنوات رياضية تبث جل مباريات الدوريات الأوروبية والمسابقات الأكبر في العالم، حيث يجري التنسيق مع المسؤولين داخل المركز لاختيار المباراة التي سيشاهدها النزلاء في حال تزامن بث أكثر من واحدة، وذلك بشكل توافقي مع كل المساجين داخل كل زنزانة.

وأكد مدير المركز أن المبادرة جاءت من إدارة السجن منذ حوالي عام، قبل انطلاق منافسات كأس العالم 2018 في روسيا، وذلك من أجل ضمان متابعة النزلاء لأطوار البطولة الأضخم في العالم، ومشاهدة مباريات المنتخب الوطني المغربي آنذاك.

مهمة وامتنان!

انتهت مهمتنا في رصد أجواء “الديربي” في صبيحة استثنائية؛ ونحن نهم بالمغادرة، نظرات المساجين إلينا كانت عرفاناً وامتناناً، وهو التأويل الذي أكده أحد الحراس في تواصله مع الجريدة بعد ساعات من الزيارة :”النزلاء يبلغونكم التحية ويشكرونكم على منحهم فرصة عيش أجواء الديربي، بكامل طقوسه، من وراء القضبان!”.

العربي روسيا كأس العالم

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.