سَبٌّ وشتم قادم من كل حدب وصوب.. مشهد يتكرّر في كل مرّة يجتمع فيها شمل “الرجاويين” من الأنصار في مدرّجات الملاعب.. مشهد حضره المعني بالأمر مرّتين هذا الموسم، تجاهله بنظراته السوداء في أوّل مرّة وابتسم له ببرودة أعصاب في مناسبة أخرى، ولغرابة الصدف فإن الموعدين معا شهدا تتويج الرجاء بلقبين.. دوري النتيفي وكأس العرش.. ما ذنب سعيد حسبان ليعامل هكذا؟
بدأ المشهد بخطاب “عاطفي” للرئيس سعيد حسبان، في أوّل خرجة له على هامش جمع عام “رمضاني” لم ينته إلا دقائق قبل بزوغ فجر يوم جديد.. تمنى شعب الرجاء حينها أن تشرق شمس “خضراء” ويكون الرئيس الجديد أهلا بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، وهو يصرّح بالقول “لا ما كنتش أنا رجاوي كانخاف على مستقبل الفريق، لمن سنترك مهمة تحمّل المسؤولية. لقد ترعرعنا في هذا الفريق ونكن له حبا كبيرا، فالرئيس السابق رحل بإيجابية وسلبية المرحلة التي قضاها، ولا يمكن أن نترك الفريق بين أياد غير أمينة”.
شيء ما كان يوحي حينها أن حسبان، عضو المكاتب المسيّرة السابقة في النادي “الأخضر”، الذي ذاق مرارة الهزيمة في كل مرّة كان يتقدّم فيها للترشح للرئاسة، سيوظّف “مكر” السياسة التي خبر تدبيرها المحلي في منطقة “درب السلطان”، ليخطف “نجومية” في معقل ميلاد الرجاء، بل سيتعدى ذلك لأن يصبح اسمه يتداول على ألسنة الجميع، في الوقت الذي “يتلذّذ” فيه الرئيس بحلاوة السلطة التي أصبح يتمتّع بها على كرسي مريح في مركب “الوازيس”، كأن به يحمل “التيليكوموند” بين يديه، يكتم الصوت إذا تعلّق الأمر بـ”السبان” في حقّه ويوجّه الصحن إلى اتجاه المحطّة التي يراها منسابة لقضاء مآربه…
سيمات مكر “الثعالب” بدأت تظهر عند المتربّع على كرسي رئاسة الرجاء، منذ إطلالته الأولى ذات ليلة من يونيو 2016، إذ لمَّ هيئة منخرطي النادي حوله في الإطار المكاني نفسه الذي شهد على ترؤّس حسبان للفريق “الأخضر”.. بسط أرقاما فلكية حول أزمة الرجاء المادية، صوب اتهاماته لسلفه في الرئاسة وأعلن عن نهجه لمخطّط “مارشال” (مخطط اعتمدته الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة تعمير بعض الدول الأوروبية التي تم تدميرها خلال الحرب العالمية الثانية)، ليطلق العنان لحرب لم يع “الرجاويون” حينها أنها بصدد تدمير كيان فريقهم.
أخرج الرئيس الحالي سلفه السابق من صمته وهو الذي اعتقد أنه سيهنأ بقسط من الراحة بعد رحيله عن تسيير الرجاء، أدخل الشك في نفوس “برلمانيي” النادي وحيّر قاعدة الملايين من المناصرين، ليطالبه محمد بودريقة بمناظرة مباشرة من أجل بسط الحقائق.. مواجهة لن تتحقّق بين الرجلين حتى يومنا هذا… بل حتى من ركبوا مع حسبان السيارة نزلوا منها بشكل سريع، إذ لم يكد يمر شهر واحد على تربّعه كرسي الرئاسة حتى ظل وحيدا دون مكتب مسيّر، والسبب أنه أغلق على نفسه طيلة العشرة أيام التي تلت الجمع العام للتحضير لخرجته الشهيرة الأولى، دون استشارة لا أمين ماله ولا كاتبه العام.. مشهد سيتكرّر مرارا بعد ذلك..
بدأت بوادر الأزمة تظهر مع برمجة سعيد حسبان لمعسكر الرجاء في مدينة إفران، حينها كان بعض اللاعبين يشترطون التوصّل بمستحقاتهم قبل السفر إلى التجمّع، بينهم عصام الراقي، يوسف القديوي وأنس الزنيتي.. هنا ظهر حسبان مدير “النقابة” الذي تفنّن في خلط الأوراق داخل مستودع ملابس “الخضر” منذ ذلك الحين، فبدأ الرئيس يتحكّم في فلان وعلان، منهم من رحل ومنهم من ينتظر.
ناشد الدولة والسلطة بشعارات “سياسية” وتناسى أنه بصدد تدبير جمعية رياضية وليس جماعة محلية، اعتقد أنه “ذكي” بالتموقع إلى صفّهم من أجل التقرّب منهم بشكل أكبر، رغبة منه في طي صفحة بودريقة مثير “المشاكل” مع أعلى سلطة قرار كروي في المغرب، خلال المراحل الأخيرة من فترته الرئاسية، ليقصف حسبان جبهة “الالتراس” المساندة لفريق الرجاء البيضاوي، من خلال ندوته في يوليوز من سنة 2016، التي شكّك فيها في “ترجاويت” معارضيه.
جبهة أخرى ارتأى من خلالها الرئيس الحالي للرجاء أن يوجّه رسالات غير مشفّرة على أنه الرقم “1” في إدارة الرجاء، حيث نهج حملة طرد تعسفي في حق موظفي النادي، بالإضافة إلى إحداثه ميثاقا داخل النادي في ما يخص سلّم أجور اللاعبين، رغبة منه في حد النزيف المادي ودون الاكتراث لعواقب ذلك، حيث ظل حسبان وفيا لسياسة “Le Sale Boulot” التي لا طالما أقر بها، عوض البحث عن الموارد المالية، كما جاء على لسان أحد أعضاء مكتبه المسيّر السابق، في تصريح لـ”هسبورت” حينها.
أمام فوهة بركان، استخدم حسبان أوّل أحد خصاله المتعدّدة.. استغلال “التايمينغ” لامتصاص الغضب، حيث دعا الرئيس إلى لقاء مع المنخرطين في نونبر الماضي، أوهم خلاله أنه مستعد للإعلان عن “مفاجأة” سارة لإخراج الفريق من أزمته، إلا أن الموعد كان مناسبة لدر الرماد على العيون بإعلان ليس إلا، إحداث شركة “وهمية” سماها “RAJA Gestion ” والتعاقد مع مستشهر صيني في الأفق.. لا شيء من ذلك تحقّق ولا “برلمان” الرجاء أصبح يعلم مآل الفريق “الأخضر” مع الرئيس الجديد.
اختلط الحابل بالنابل ولطّخت “اللخبطة” التسييرية صورة الرجاء، إذ اهتز كيان النادي بضربات موجعة، ومع ذلك ظل الرئيس يتفرّج على ما يقع، في وقت كان فيه يهتم حسبان بتلميع صورته رئيسا للنادي، طموح منصب جامعي على غرار سلفه واستشراف مستقبل سياسي أفضل بقبعة رئيس الرجاء، على الرّغم من أنه لم يفصح عن أي من هذه الأمور، إذ ظل وفيا لنقاش “الكولسة” مع محيط مقرّب يظل مجهولا لغاية اللحظة.. كيف يعقل أن يمتص حسبان كل هذا الضغط لمفرده؟
سعيد حسبان، مع مطلع السنة المنصرمة، ورغم محاولته لعب دور “الملاك الطاهر” الذي غلّب مصلحة الرجاء على اسمه، لم ينجح في دور “الإطفائي” لإخماد نار الفضائح التي تنفجر مع كل أسبوع، والتي على خلفيتها بدأ ينفر منه حتى من رفع شعار “التأييد”، من منخرطين سئموا الوعود الكاذبة، ومن رؤساء سابقين فهموا “نوايا” الرئيس الحالي، ليكوّن الجميع قناعة بأن سعيد حسبان ليس رجل المرحلة كما تعاقد على ذلك مع العائلة الرجاوية في الصيف.
واهم من كان يتوقّع أن تكون سنة 2017 شاهدة على رفع سعيد حسبان للراية البيضاء، وحتى إن اشتد الخناق حوله وانقلب ضده “البرلمان” ذاته الذي قام بتزكيته، وحتى لجنة “حكماء” النادي التي كانت سببا مباشرا في تقلّد حسبان الرئاسة، لم تقو على رؤية الأخير يفلت من بين قبضة تحكمها.. كيف لا وهو المنخرط السابق الذي يحتفظ بثأر لنفسه من ماض تجرّع فيه مرارة المركز الأخير ذات جمع عام شهد صعود عبد السلام حنات للرئاسة.
ظل كبرياء الرئيس “الجريح” يتقوّى يوما بعد يوم وتوالي الضربات التي لا تقسم ظهره لم يثنه عن الاستمرار، حتى وإن تعالت الأصوات قرب مكتبه في مركب “الوازيس” في وقفات احتجاجية مطالبة إياه بالرحيل، فإن سعيد حسبان كان يتجوّل بشكل عاد في أزقة مدينة الدار البيضاء، يمتص الغضب ببرودة دم، يجلس في مقهاه المعتاد ويدبّر المرحلة بذكاء..
فعلا، كان ناجحا حسبان في إرسال كاتبه العام إلى اجتماع منخرطي النادي، المنعقد في أحد فنادق مدينة الدار البيضاء، في 19 فبراير الماضي، بحضور “حكماء النادي”، ممثّلين في الرؤساء السابقين، امحمد أوزال، أحمد عمور وعبد السلام حنات… تناول حسن السنيني الكلمة باسم المكتب المسيّر، وأعلن عن الدعوة إلى انعقاد جمع عام استثنائي.. انتهى الكلام ولم يعد للنقاش جدوى في ظل هذا الإعلان الصريح.. امتص حسبان الذي كان حينها يرقد في المستشفى بعد تعرّضه لحادث سير، غضب “المنخرطين” وتلاعب بـ”الحكماء”.. ولم ير ذلك الجمع العام الاستثنائي النور إلى حدود كتابة هذه الأسطر.
“علَمته الرماية فلمَّا اشتدَّ عوده رماني”.. مثال قد ينطبق على علاقة سعيد حسبان بامحمد أوزال، رئيس “حكماء” مسيري الرجاء، الذي ظل السند للرئيس الحالي في “الخفاء” منذ توليه للرئاسة خلفا لمحمد بودريقة، إلا أن السحر انقلب على الساحر، وحتى من خبر تسيير شؤون “الأخضر” لم يعد يسيطر على الوضع القائم..7 أبريل، 19 يونيو و6 شتنبر.. كلها تواريخ ظلت مقرونة برحيل حسبان، إلا أن الأخير ظل أقوى من الرضوخ للتحكم الخارجي.
اختلطت الأوراق أمام منخرطي الرجاء، فاعتزموا عقد اجتماع وصفوه بـ”الجمع العام الاستثنائي”، في حين ظل حسبان مرابطا في أحد مطاعمه المفضّلة يترقّب مآل هذا اللقاء.. ظل في موقف قوّة يحرّك خيوط اللعبة كما يشاء، في وقت التقاط محمد بودريقة وجمال الدين الخلفاوي لصورة ثنائية مرشّحين لخلافته.. إلا أن حنكة “السياسي” حسبان جعلته يحوّل الجمع العام إلى مائدته المستديرة، حيث جلس على طاولة الحوار مع محمد بودريقة وفرض عليه شروطه للتنحي عن الرئاسة.
تأجّل الجمع العام إلى موعد لاحق، ليتخذ تواريخ أخرى ويدخل دوامة “القانونية” من عدمها، من جهة، ودخول “الدواعي الأمنية” على الخط من جهة أخرى، في وقت يعد حسبان تقريره الأدبي الذي لن يختلف اثنان حول كونه موفّقا في ما يخص نتائج الفريق منذ توليه الرئاسة.. غير العارف بثنايا الأمور سيستغرب لمشهد “سب” عشرات الآلاف من الجماهير لرئيس فريقهم والأخير بصدد التتويج بأحد أغلى ألقابه.. لقب يفتخر به سعيد حسبان رئيسا للرجاء.
في غمرة الاحتفال، ظل حسبان وحيدا يتجوّل بكأس العرش في صندوق سيارته، بعد أن رمى أعضاء مكتبه “المنديل”.. قرّر الاستمرار وأعاد رسم خارطة طريقه المستقبلية، ولو اقتضى الأمر أن يرافقه سوى سائقه الشخصي “الوفي” في مساره الطويل..أعلن أن 8 يناير سيكون موعد الرحيل.. هل فعلا سيرحل حسبان عن رئاسة الرجاء؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.