جدل قديم- جديد ذلك الذي يدور بين عشاق كرة القدم في المحافل الدولية والإقليمية التي تشهد تنافس منتخبات تعيش بلدانها فيما بينها صراعات سياسية، فإما قد يساهم الجلد المدوّر في صبّ الزيت على النار، وإما قد يلعب دوراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر وتوجيه رسالة إيجابية إلى الزعماء السياسيين مِلؤها ضرورة البحث عن حلول وديّة بدل التشنج المستمر. ومن ذلك مباراة إيران والولايات المتحدة الأمريكية في كأس العام عام 1998، عندما تبادل الفريقان الورود والتقطا صورة جماعية تعبيراً عن التقدير المتبادل رغم حث الرئيس الإيراني للاعبيه بهزيمة الأمريكيين معتبراً ذلك فوزاً سياسياً !
وفي هذا السياق، لطالما كانت مواجهات المنتخب المغربي مع بعض الدول الإفريقية عنواناً لإسقاطات سياسية، خاصة مبارياته مع المنتخب الجزائري التي كانت تحضر فيها على الدوام رسائل سياسية، فبعد الفوز الكاسح الذي حققه المغرب على الجزائر في التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس إفريقيا عام 2012 بأربعة أهداف لصفر، خرج الآلاف من المغاربة إلى الحدود الجزائرية رافعين الأعلام الوطنية ومرّددين لازمات تتغنى بالصحراء المغربية، نكاية في الموقف الرسمي الجزائري الذي يدعم بشكل مطلق جبهة البوليساريو الانفصالية !
غير أن إقصاء المنتخب المغربي من حضور نهائيات كأس الأمم الإفريقية المقامة حالياً بغينيا الاستوائية بعد سحب التنظيم منه لإصراره على تأجيل المنافسات ذاتها خوفاً من انتشار داء الإيبولا، جعل عشاق كرة القدم من المغاربة يتوجهون إلى تشجيع منتخبات أخرى يتعاطفون معها لعوامل متعددة، فهناك من يشجع منتخباً معيّناً لالتزامه بلعب كرة قدم جميلة، وهناك من لا يرى بديلاً عن تشجيع نجومه بفريقه الأوروبي المفضل حتى ولو ارتدوا ألوان منتخبات بلدانهم، وهناك من يَرهن تشجيعه لمنتخبات أخرى بعوامل تاريخية ودينية وسياسية.
في مجموعة الموت التي شهدت تأهل المنتخب الغاني أولاً والمنتخب الجزائري ثانياً إلى الدور الثاني، وإقصاء كل من جنوب إفريقيا والسنغال، تباين تعاطف بعض المغاربة خلال مباريات المجموعة مع منتخباتها، وتجلّى ذلك أساساً في العامل السياسي، فالجزائر وغانا وجنوب إفريقيا، كلها دول تساند البوليساريو، بينما تعتبر السنغال الدولة الوحيدة في المجموعة التي تدعم الموقف المغربي فيما يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي.
هكذا لم يملك من يبني موقفه الكروي من المغاربة على الراهن السياسي سوى التعاطف مع أسود التيرانغا وعدم الاهتمام بمن يرافقها إلى الدور الثاني، خاصة وأن هذا المنتخب كان هو المتصدر للمجموعة قبل إجراء الدور الثالث، غير أن هزيمته أمام الجزائر، وفوز غانا على جنوب إفريقيا، جعلاه يتراجع إلى المركز الثالث، وبالتالي الإقصاء المبكر من المونديال الإفريقي.
ودائما فيما يخصّ الربط بين السياسي والكروي، تعدّدت خيارات تشجيع المغاربة بعيداً عن هذه المجموعة التي احتضنت أكبر عدد من منتخبات الدول المعترفة بالبوليساريو. هكذا، وباستثناء المنتخب الزامبي، لا تعترف كل الدول المتبقية بالبوليساريو، ممّا يجعل تشجيع المغاربة لمنتخبات قوية كالكامرون، الكوت ديفوار، مالي، وتونس أمراً لا يتعارض مع مواقفهم السياسية.
بيدَ أن الخلافات السياسية ليست هي من يتحكم لوحدها في اختيارات المشجعين لمنتخباتهم وفرقهم، فقد شجع العشرات من المغاربة المنتخب الجزائري في نهائيات كأس العالم الأخيرة خاصة وهو يحقق إنجازاً كبيراً بتأهله إلى الدور الثاني، كما تعاطف العديد من المغاربة مع المنتخب الغاني عندما وصل إلى دور ربع النهائي في نهائيات كأس العالم 2010، فضلاً عن أن المنتخب النيجيري كان على الدوام من المنتخبات المفضلة للمغاربة في المنافسات الإفريقية حتى مع دعم دولته للجبهة الانفصالية. وتعود أسباب التعاطف في هذا السياق إما إلى عوامل اللغة أو القرب الجغرافي أوالدين.
وبصفة عامة، يبقى إسقاط الخلافات السياسية على كرة القدم أمراً غير محمود في أدبيات الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي يشدّد على ضرورة إبعاد الكرة عن عوالم السياسة، وعلى ضرروة تشبّع الأندية والمنتخبات والجماهير بالروح الرياضية بعيداً عن خلط “الزيت بالماء” وشحن اللاعبين بصور مسبقة تحيد بهم عن أهداف الجلد المدوّر، لذلك تعكف الفيفا على استحضار هذا البعد في كل المنافسات الإقليمية والدولية، وعلى توجيه فرق ومنتخبات العالم إلى اللعب الجميل الممتع الذي لا تتجاوز نتائجه وانعكاساته المجال الرياضي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.