لطالما سمع جيل الشباب حكاية أجيال سبقوه بصموا أسماءهم بقوة داخل الساحة الكروية الوطنية.. جيل لازال إلى حدود اللحظة يحمل لواء الإنجاز التاريخي الوحيد الذي يرصِّع خزانة الكرة المغربية؛ جيل عانق أغلى الكؤوس القارية، وحمله غلابا بين ذراعيه من أقصى القرن الإفريقي في العاصمة الإثيوبية أديسا بابا إلى أقصى شمال غرب إفريقيا واضعا إياه في العاصمة الرباط.
جِيل الملحمة الإثيوبية تعددت أسماؤه واختلفت مهارات لاعبيه وتقنياتهم الفنية، لكن اسم أحمد مكروح أو كما يحب أن يطلق عليه الجميع اسم “بابا” لازال موشوما في الذاكرة الكروية المغربية؛ اسم كان سببا مباشرا في بزوغ فجر أول إنجاز تاريخي للمغرب، ورسم الصورة المشرقة للكرة المغربية في سبعينيات القرن الماضي.
الشاب القادم من انبساطات سهل دكالة، استطاع بمدفعية قدميه أن يهز قلوب شعب عاشق لكرة القدم حتى النخاع، وهو الذي تعلم أبجديات المستديرة في شاطئ مدينة الجديدة الأطلسية، إذ استطاع أن يجد له مكانا داخل كتيبة وطنية تعج بأسماء يقام لها ويقعد.. إن رأيتها حسب ما يروي السلف في المستطيل الأخضر تعي جمالية الكرة الحقيقي وبساطتها؛ “بابا” ابن الدفاع الحسني الجديدي استطاع أن يكون من بين هؤلاء ويحقّق المستحيل.
لطالما حكى “بابا” عن تلك الحقبة الزمنية بشغف كبير، متحدثا عن بداياته الكروية وخصوصا كأس إفريقيا لعام 1976، تلك الكأس التي لا تزال عالقة بين ثنايا ذاكرته الكروية، حيث غير بها المنتخب الوطني بشكل كبير دماءه وأسند قيادتها لمدرب تشرَّب على ثقافة كروية تنهل جذورها من أوروبا الشرقية، ابن رومانيا جورج مارداريسكو غيّر جلد النخبة الوطنية بهدف تحقيق الكأس الغالية.
“بابا” وفي مجموع حواراته الصحفية تحدث عن الأحداث التي صاحبت “دورة 76” بداية من الإعداد لها مرورا إلى العطب الذي أصاب الطائرة التي كانوا يستقلونها، إذ لولا الألطاف الإلهية لاصطدموا بجبل قرب المطار، منتقلا للفوز الذي حققوه على المنتخب النيجيري والزائيري تباعا في الدور الأول ثم تعادلهم مع السودان، الأمر الذي مكنهم من لعب مباراة نهائية قوية أمام منتخب غيني كان يضم أسماء متميزة في مقدمتها تيتي كمارا وشريف سليمان.
حكى “بابا” أيضا عن تلك الحقبة الزمنية بشغف كبير وعن كيفية تلقيهم هدفا مباغتا في بداية اللقاء، ثم طرد عبد الله السماط، إذ جارت بعدها النخبة الوطنية اللقاء بحذر كبير وبحكمة أكبر، وعلى بعد ثلاث دقائق من انتهاء الحلم المغربي وتبخّره وبتمريرة تلقاها من أحسن لاعب في إفريقيا لسنة 75 “أحمد فرس” سدد “بابا” كرة أشبه بصاروخ أرضي استقر في شباك الحارس الغيني معلنا تعادلا بطعم الذهب، هدف كان سببا في إغماء الواصف الرياضي آنذاك أحمد الغربي وعدد من الجماهير الغينية، هدف يمثل لـ “سي أحمد” الشيء الكبير، ويرسم بداخله مجدا إفريقيا غائبا عن الخزائن المغربية لأزيد من 42 سنة، يذكره دائما بأيام صباه وشبابه الكروي الزاهي.
“بابا” وعلى غرار الصورة الوردية التي يحملها المغاربة تجاهه بصفته أحد الأعمدة التاريخية للمنتخب الوطني، فهو بالنسبة إلى الجديديين أحد رموز الجيل الذهبي لفريقهم الأول، الجيل الذي لم يحقق أي شيء ولكنه حقق كل شيء، جيل يذكرونه بأسطورية كبيرة، ويتحدثون عنه ككيان خرافي رسم جمالية كرة القدم، داخل المستطيل الأخضر، يتقدمه الشريف وبابا وشيشا ومعروفي وعبد الله زيدان ووزير والعديد من القامات الكروية التي تمثل لمن عاصروهم “جبلا مقدسا”، داعب كرة القدم بانسيابية ودحرج المستديرة بجمالية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.