لسان حال من سيقرأ هاته السطور سيقول إنه ما من داع لتعداد إنجازات نور الدين النيبت ولا التذكير بها، ذلك لأنها مرتبة بعناية في أذهان كل مغربي شغوف بالمستديرة، بل إن أرقامه وسجلّه الفريد، بات المرجع في منحنى اللاعبين الأنجح محليا ودوليا.
فذلك الفتى الذي مسح أزقة درب الشرفة في البيضاء بقدميه وكرته الرثة، يتقاذفها مع الأقران كلما سنحت الفرصة، لم يخطر يوما بباله أنه سيعيث في عالم الكرة تألّقا، فترك صدى زئيره مع “الأسود”، في الدوري المغربي، وفي فرنسا، إسبانيا، البرتغال، وحتى إنجلترا، مثبتا هوية اللاعب المغربي في دوريات أوروبا ومانحا إياها الصيت الحسن.
النيبت من مواليد 1970، ولأنه لا يفقه في إتيكيت المقدّمات كثيرا، ولا يجيد الاحتفاظ بكرة الطموح بين أقدامه، إذ يفضّل الإلقاء بها بعيدا ثم الجري وراءها لتحقيق الأحلام، اقتحم أسوار الوداد البيضاوي قبل بلوغه العشرين ربيعا، هناك استطاع أن يبرهن سريعا عن مدى أحقيته في حمل قميص “الأحمر” فكان بمثابة فأل جيّد للقلعة الحمراء حيث انهالت الألقاب على الفريق منذ حمل ثقل “الدوبلفي آ.سي” على عاتقه عام 89، فتوّج في أوّل موسم له هناك بكأسي العرش وأبطال العرب، وكأس السوبر العربي عاما بعد ذلك، فدرع الدوري سنوات 90/91/93، وكذا بكأس أبطال إفريقيا الوحيد في خزينة “الحمر” عام 92 وكأس أفرو-آسيوية عام 93.
تألّق النيبت محليا جعل أعين التقنين في المنتخب وكذا دوريات أوروبا ترسى على موهبته، حيث اقتحم عرين “الأسود” في أوّل مواسمه مع الوداد، هناك زأر مع الكبار، وشارك رفقة “الأسود” في نسختين متتاليتين من المونديال (94-98) وست نهائيات “الكان”.
تزامنا مع ذلك، نور الدين شد الرحال لتجربة الاحتراف، فوطأت قدماه فرنسا عام 93، ولعب مع نانت قبل أن يغادر صوب سبورتنغ لشبونة البرتغالي ما بين 94 و96 وتوّج معه آنذاك بالكأس وكأس السوبر، ليحط في الليغا الإسبانية ما بين 96 و2004 ويسطع نجمه مع ديبورتيفو لاكورونيا ويشهد تتويجه التاريخي بلقب الدوري الإسباني فالكأس ثم السوبر مرتين، قبل أن ينهي مسيرته من “البريمر ليغ” مع توتنهام في 2006.
هذا الزخم في بالماريس “الليبيرو” على صعيد الأندية، قدّم خدمات كبيرة لـ”نيبت” المنتخب طيلة 16 سنة قضاها دوليا (من 90 إلى 2006)، فكوّن لنفسه مملكةً في دفاع “الأسود”، وبات “العميد” داخل وخارج الملعب، فهدوؤه ورزانته المحيرين طالما كانا مزود أمان لباقي المجموعة.. كيف لا وتوالي تجاربه واحتكاكه بكبار أوروبا جعلا منه مدربا قارا لـ”الأسود” داخل الملعب على مدى سنوات.. يرحل الناخبون ويبقى هو يتحرّك وراء اللاعبين ويملي عليهم تعليماته لتبليل القميص..
هيبة النيبت كبرت بكبر سنّه ومعها التجربة.. بات رمزا داخل المنتخب المغربي، بل للكرة الوطنية وقتذاك، وفكرة الاعتزال مشروع مؤجّل إلى حين.. فحلم التتويج مع “الأسود” يراوده منذ عام 90.. خاض نهائي رادس أمام تونس في 2004، وذرف دموع الحسرة إلى جانب بادو الزاكي على ضياع الكأس الإفريقية، فقرّر مواصلة الحكاية حتى النهاية.
نهاية بمثابة غصة في قلب النيبت إلى الآن، عندما جاء الاعتزال مبعثرا كل مخططاته، فأعلن القرار بالابتعاد عن الميادين والتفرّغ للبزنس كردة فعل منه على عدم اعتماده في مباراة المنتخب المغربي أمام نظيره الكيني في تصفيات كان 2006.. فلأنه يمقت من يراوغه، رفض كليا الطريقة التي برّر بها الزاكي إبعاده عن مفكّرته عندما قال إنه مصاب في وقت أصر فيه النيبت “إنها كذبة.. كنت جاهزا”.. إصرار صنّفته فئة واسعة آنذاك في خانة التشويش على المنتخب!
ولأن النيبت معدن حر لا يصدأ.. فمغادرته عرين “الأسود” كانت بصفته لاعبا فقط، لكنه بقي يخدم المنتخب وجامعة الفهري في الظل بصفته مستشارا، وأبى الآن إلا أن يترجم للجيل الحالي، معاني كل رعشة، كل صرخة، كل “هووولي” صادرة من جمهور عشق بحق منتخبه الذي أمتع.. النيبت الآن ورفيقه عزيز بودربالة، يحاول أن يضع زياش والرفاق أمام صورة ما صنعه منتخب 98.. فاختارته جامعة فوزي لقجع مرافقا لـ”أسود” هيرفي رونار، و”كوتش” يحرّك نهايات عروق الغيرة على قميص المنتخب لدى اللاعبين ويحثهم على التأهّل إلى نهائيات كأس العالم 2018.. هو التعويذة لبلوغ “مونديال” روسيا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.