أبرز مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي الذي يرأسه علي الغنبوري أن تنظيم المغرب لكأس العالم 2030، بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، يشكل محطة تاريخية وفرصة استثنائية لتسريع وتيرة تطوير البنيات التحتية الرياضية، وتحسين جاذبية المجال الرياضي كرافعة للتنمية المجالية والاقتصادية، حيث تستدعي هذه التظاهرة استثمارات ضخمة في بناء وتحديث الملاعب والمنشآت المصاحبة، مما يجعل التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنجاح الحدث، بل في ضمان استدامة هذه المرافق وضمان مردوديتها بعد إسدال الستار على البطولة.
وأضاف مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي في بلاغ توصلت به جريدة “هسبورت” الإلكترونية أن التكلفة الإجمالية للمشاريع المرتبطة بالملاعب والبنيات التحتية الرياضية تقدر بنحو 52 مليار درهم مغربي (حوالي 5 مليارات دولار أمريكي)، تشمل بناء ملعب “الحسن الثاني” في بنسليمان بطاقة استيعابية تصل إلى 115,000 متفرج، بتكلفة تبلغ 5 مليارات درهم مغربي (500 مليون دولار أمريكي)، بالإضافة إلى تحديث وتوسعة ملاعب أخرى في الرباط، طنجة، مراكش، فاس، وأكادير، مع تخصيص 9.5 مليارات درهم مغربي لتأهيل هذه الملاعب وفقًا لمعايير الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، والاتحاد الدولي لكرة القدم، إلى جانب استثمارات إضافية في مراكز التدريب وشبكات النقل.
وزاد أن التجارب الدولية تظهر أن العديد من البلدان التي استضافت تظاهرات كبرى، مثل البرازيل وجنوب إفريقيا، واجهت تحديات في استدامة الملاعب بعد انتهاء البطولات، حيث تحولت بعض الملاعب إلى مرافق مهجورة تكبد الدولة نفقات صيانة سنوية مرتفعة دون تحقيق عوائد مالية ملموسة، مما يؤكد على ضرورة التفكير المسبق في إستراتيجية لما بعد المونديال تضمن الانتقال من منطق “الحدث” إلى منطق “الاستثمار”، وتحول الملاعب من عبء إلى مورد.
وأشار إلى هذه الرؤية تتطلب اعتماد تصور متكامل يقوم على إعادة توظيف الملاعب في أنشطة رياضية وثقافية وتجارية مستمرة، وفتحها أمام القطاع الخاص، وتعزيز حكامتها الإدارية والتسويقية، كما تقتضي تعبئة مختلف الفاعلين المحليين والخواص والنوادي الرياضية لتبني هذه المنشآت كجزء من دينامية الحياة الحضرية والاقتصادية للمدن، مع التركيز على تطوير برامج استثمارية تضمن تحقيق عوائد مالية مستدامة.
وواصل أن هذه الورقة التنفيذية تهدف إلى استعراض أبرز الآليات والاستراتيجيات التي يمكن اعتمادها لضمان مردودية الملاعب المغربية بعد المونديال، مع التركيز على تجارب دولية ناجحة، وتقديم توصيات عملية قابلة للتنفيذ، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية والفرص المتاحة، لضمان تحويل هذه المنشآت إلى أقطاب تنموية مستدامة تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المجالية المتوازنة.
⦁ الرهانات المرتبطة بالملاعب بعد المونديال
تطرح مسألة ما بعد مونديال 2030 في المغرب تحديا حقيقيا يرتبط بكيفية تدبير البنيات التحتية الرياضية وعلى رأسها الملاعب، التي ستشهد استثمارات ضخمة في البناء والتأهيل والتوسعة، ومن هنا تبرز ضرورة التفكير في مستقبل هذه المنشآت بعد انتهاء البطولة، ليس فقط كمرافق رياضية بل كمحركات اقتصادية واجتماعية وثقافية، فغياب تصور واضح قد يؤدي إلى تحويل هذه الملاعب إلى عبء على المالية العمومية بدل أن تكون مصدر دخل واستثمار، لذا فإن الرهانات متعددة وتستدعي مقاربة شمولية ومندمجة لضمان استدامتها ومردوديتها.
أول هذه الرهانات هو رهان الاستدامة المالية، إذ إن الملاعب الحديثة تحتاج إلى صيانة دائمة وخدمات تشغيل متطورة، مما يفرض ضرورة خلق مصادر دخل منتظمة ومتنوعة، سواء عبر تنظيم مباريات محلية ودولية، أو من خلال التأجير للفعاليات الكبرى، أو عبر الشراكات التجارية مثل بيع حقوق التسمية والإشهار، خاصة وأن بعض الملاعب في العالم تحقق مداخيل سنوية تتجاوز 20 مليون دولار فقط من الأنشطة غير الرياضية، مما يؤكد أن الاستدامة المالية ممكنة إذا تم استغلال الإمكانيات التسويقية المتاحة.
الرهان الثاني يتمثل في تحقيق العدالة المجالية، بحيث لا تبقى الملاعب الكبرى حكرا على المدن الكبرى فقط، بل يتم دمجها في المخططات الترابية لضمان توزيع متوازن للعوائد والفوائد، فبإمكان هذه المنشآت أن تتحول إلى رافعات اقتصادية للمدن الصاعدة عبر احتضانها للمؤتمرات والأنشطة السياحية والرياضية، وخلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، مما يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية، ويحد من الفوارق المجالية والاجتماعية بين الجهات.
أما الرهان الثالث فيتعلق بالتوظيف المتنوع للملاعب، حيث ينبغي أن تتحول إلى فضاءات متعددة الاستخدام، تحتضن الرياضة والثقافة والفن والتجارة، وتستغل على مدار السنة بدل الاقتصار على أيام المباريات فقط، ويمكن الاستفادة من التجارب الدولية حيث تستغل الملاعب كمراكز تجارية ومتاحف ومراكز مؤتمرات ومواقع جذب سياحي، ما يمنحها دينامية دائمة ويعزز جاذبيتها الاقتصادية، ويمنع تحولها إلى بنايات خاملة.
الرهان الرابع يتمثل في تحقيق الجاذبية الحضرية، إذ يمكن أن تشكل الملاعب الكبرى عناصر مركزية في إعادة هيكلة الأحياء المجاورة وتحسين جودتها العمرانية، من خلال ربطها بوسائل النقل العمومي، وتطوير الفضاءات المحيطة بها، وتوفير مرافق خدماتية وسياحية، مما يرفع من قيمة العقار وجودة العيش، ويجعل الملاعب جزءًا من دينامية التخطيط الحضري الذكي والمندمج.
وأخيرا، هناك رهان الإدماج المؤسساتي والحكامة الجيدة، فلكي تحقق الملاعب مردودية فعلية، يجب أن تخضع لتدبير احترافي وشفاف عبر شركات جهوية للتنمية أو شراكات بين القطاعين العام والخاص، واعتماد نماذج ناجعة للمراقبة والتقييم، مع ضرورة إدماج الجامعة الملكية لكرة القدم والجماعات الترابية والقطاع الخاص في منظومة اتخاذ القرار، وهو ما يخلق إطارا مؤسساتيا قويا يضمن استمرارية المرفق ويجذب المستثمرين ويؤمن تمويلات إضافية خارج الميزانية العمومية.
⦁ الإمكانيات المتاحة للمغرب:
يتوفر المغرب على رصيد متنوع من الإمكانيات الاستراتيجية التي تؤهله لتحويل الملاعب التي سيتم تشييدها أو تأهيلها في أفق تنظيم مونديال 2030 إلى مرافق ذات مردودية مستدامة، فالتحدي لا يكمن فقط في بناء منشآت بمعايير دولية، بل في القدرة على توظيف ما يزخر به البلد من مؤهلات بشرية، رياضية، سياحية واقتصادية لجعل هذه الملاعب روافع للتنمية، وانطلاقا من هذا المعطى، يمكن إبراز خمس إمكانيات رئيسية تشكل مرتكزا لأي خطة مستقبلية فعالة لما بعد المونديال:
الشغف الشعبي الواسع بكرة القدم:
يتميز المغرب بقاعدة جماهيرية ضخمة ومتعطشة لمتابعة المباريات والأنشطة الرياضية، وقد أظهرت الإحصائيات أن مباريات المنتخب الوطني تجذب ملايين المتابعين، كما أن أندية مثل الرجاء والوداد والجيش الملكي تتوفر على جماهير نشطة تتنقل بأعداد كبيرة، مما يخلق طلبًا دائمًا على الفضاءات الرياضية، ويسمح بتنظيم بطولات محلية وقارية ودولية، تجعل من الملاعب فضاءات حية على مدار السنة بدل اقتصارها على المناسبات الكبرى.
الموقع الجغرافي الاستراتيجي والبنيات اللوجستيكية المتطورة: فهو قريب من أوروبا، ويشكل بوابة لإفريقيا جنوب الصحراء، كما يستثمر بشكل كبير في شبكات الطرق والسكك والمطارات، وقد تمت برمجة مشاريع لربط الملاعب المستقبلية بمواصلات حديثة، مما يسهل التنقل ويجعل من الملاعب مراكز جذب لاحتضان أحداث رياضية وفنية وسياحية دولية، ويزيد من قدرة البلاد على الترويج لهذه المرافق كوجهات متعددة الاستخدام.
المقومات السياحية المتنوعة والغنية: فالمغرب يجمع بين السواحل، والجبال، والصحراء، والمدن العتيقة، وهو ما يشكل حافزًا إضافيًا لتحويل الملاعب إلى نقاط ارتكاز في خارطة السياحة الرياضية، إذ يمكن دمج التظاهرات الرياضية ضمن عروض سياحية متكاملة تستقطب الزوار الأجانب، كما يمكن تطوير خدمات ضيافة وترفيه مرافقة للملاعب تعزز جاذبيتها، وتفتح الباب أمام الاستثمارات الفندقية والتجارية.
اقتصاد متنوع وقطاع خاص نشيط يمكن تعبئته للمشاركة في استغلال الملاعب: فبفضل الاستقرار المؤسساتي والتحفيزات الاستثمارية، أصبح بإمكان الدولة الدخول في شراكات مع شركات وطنية ودولية لتدبير الملاعب، وتسويق حقوق التسمية، واستغلال الفضاءات التجارية والخدماتية بداخلها، كما يمكن للقطاع الخاص أن يساهم في خلق برامج للرعاية والتمويل، تضمن استمرارية أنشطة الملاعب ومردوديتها المالية دون الاتكال الكلي على الميزانية العمومية.
كفاءات بشرية وإدارية متصاعدة في مجالات التدبير الرياضي والتسويق والتسيير الحضري: مما يسمح بوضع نماذج حكامة احترافية للملاعب، وتكوين جيل جديد من المسيرين الرياضيين القادرين على استثمار هذه المنشآت بطريقة ناجعة، كما أن التجربة التي راكمها المغرب في تنظيم التظاهرات الكبرى مثل كأس العالم للأندية، وكأس إفريقيا للمحليين، والعديد من الدوريات القارية، توفر أرضية مؤسساتية يمكن البناء عليها لضمان استدامة المرافق الرياضية وتحقيق أقصى استفادة منها.
⦁ نماذج دولية للاستفادة من الملاعب بعد التظاهرات الكبرى
تبرز التجارب الدولية الناجحة في إدارة الملاعب بعد استضافة التظاهرات الرياضية الكبرى أهمية التخطيط الاستراتيجي المتقدم والاستخدام متعدد الأغراض لضمان استدامة هذه المنشآت وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، وفيما يلي عرض لثلاث تجارب عالمية بارزة:
ملعب ويمبلي لندن، المملكة المتحدة
يعد ملعب ويمبلي رمزا عالميا للإدارة الناجحة للملاعب. أُعيد افتتاحه في 2007 بتكلفة إنشاء تجاوزت 789 مليون جنيه إسترليني، وسرعان ما تحول إلى مركز اقتصادي نابض بالحياة. في عام 2024، حقق الملعب أرباح قبل الضرائب بلغت 7.8 مليون جنيه إسترليني، مع مداخيل قياسية للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم وصلت إلى 430 مليون جنيه إسترليني في العام السابق، ويتميز الملعب بتنوع فعالياته، حيث يستضيف مباريات كرة القدم الدولية، وحفلات موسيقية لنجوم عالميين، وفعاليات ثقافية مثل عروض الرجبي والمهرجانات الفنية، وهو ما يجعل ويمبلي مركزا حيويا يعزز الاقتصاد المحلي ويجذب ملايين الزوار سنويا.
أليانز أرينا ميونخ، ألمانيا
يمثل ملعب أليانز أرينا نموذج استثنائي للكفاءة المالية، دشن سنة 2005 بتكلفة 346 مليون يورو، مولها نادي بايرن ميونخ بالكامل، مع خطة لسداد القرض على مدى 25 سنة، لكن النادي فاق التوقعات بسداده القرض في أقل من 10 سنوات، مما وفر موارد مالية كبيرة لتطوير الفريق والبنية التحتية، وفي 2024، يواصل الملعب جني مداخيل قوية من خلال استضافة مباريات الدوري الألماني ودوري أبطال أوروبا، إلى جانب فعاليات متنوعة مثل المعارض التجارية والحفلات الموسيقية.
ملعب سانتياغو برنابيو مدريد، إسبانيا
يشكل ملعب سانتياغو برنابيو نموذجا مرجعيا للاستثمار الذكي في المنشآت الرياضية، حيث خضع منذ سنة 2019 لعملية تجديد شاملة بتكلفة تجاوزت 800 مليون يورو، وذلك بهدف تحويله إلى مركب متعدد الاستخدامات. وفي نسخته الجديدة لسنة 2024، بات يحتضن، إلى جانب مباريات نادي ريال مدريد، حفلات موسيقية عالمية، وعروضا رقمية تفاعلية، وفضاءات تجارية، ومطاعم راقية، كما أُدرج ضمنه سقف متحرك وأرضية قابلة للسحب، تتيح استغلاله لأكثر من 300 يوم في السنة، وقد ساهم هذا التحول في رفع المداخيل السنوية للنادي بنسبة فاقت 30%، وهو ما يؤكد أهمية الدمج بين البنية الرياضية والتجربة الترفيهية الشاملة في خلق مردودية اقتصادية مستدامة.
⦁ مقترحات عملية لضمان المردودية
في سبيل ضمان مردودية مستدامة للملاعب المغربية بعد تنظيم كأس العالم 2030، تبرز الحاجة إلى تبني مجموعة من المقترحات العملية التي تتكامل فيما بينها، وتستند إلى تجارب دولية ناجحة، وتأخذ بعين الاعتبار خصوصيات السياق الوطني، إذ إن المقاربة المجزأة لن تفي بالغرض ما لم يتم تبني تصور شمولي يدمج الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والرياضية، والثقافية، ويحول الملاعب إلى فضاءات حية ومدرّة للدخل، وفيما يلي أبرز هذه المقترحات موزعة على سبع نقاط عملية:
⦁ إحداث شركات جهوية لتدبير الملاعب الكبرى، تحدث بشراكة بين الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص، وتعمل وفق دفتر تحملات دقيق يربط المسؤولية بالمردودية، وتمنح لها صلاحيات كاملة لتأجير الملاعب، واستقطاب التظاهرات، وتسويق الفضاءات التجارية، وتدبير الموارد البشرية، بما يضمن فعالية في التسيير، وتجاوز البيروقراطية التي تعيق استغلال هذه المنشآت.
⦁ اعتماد نموذج “الملعب المتعدد الوظائف” (Stadium as a Service)، بحيث لا يقتصر استعمال الملاعب على استقبال مباريات كرة القدم فقط، بل تفتح أمام تنظيم حفلات موسيقية، مهرجانات ثقافية، معارض اقتصادية، مؤتمرات دولية، وأنشطة ترفيهية مستمرة، مما يسمح بتحقيق مداخيل على مدار السنة، وخلق روافد اقتصادية مرتبطة بالخدمات المحيطة، مثل النقل، والمطاعم، والتجارة، والسياحة.
⦁ إطلاق سياسة فعالة لتأجير حقوق التسمية التجارية (Naming Rights)، من خلال فتح المجال أمام الشركات الكبرى لربط أسمائها بالملاعب في إطار عقود رعاية طويلة الأمد، وهي ممارسة مربحة تعتمدها أغلب الملاعب العالمية، ويمكن أن تدر على الخزينة الملايين من الدراهم سنويا، كما تساهم في التسويق المشترك بين العلامات التجارية والمرافق الرياضية، وتمنح الملاعب هوية تجارية إضافية.
⦁ تأهيل الفرق الوطنية ذات الجاذبية الجماهيرية الكبيرة، خاصة المتواجدة في المدن الكبرى، من خلال دعم بنيتها التسييرية والمالية، وضمان استقرارها في الملاعب المونديالية الجديدة أو المؤهلة، إذ إن حضور فرق مثل الرجاء، الوداد، الجيش الملكي، المغرب الفاسي، واتحاد طنجة، بانتظام في هذه الملاعب سيضمن تدفقا جماهيريا متواصلا، ويخلق دينامية اقتصادية محلية مرتبطة بأيام المباريات، كما يعزز من ارتباط المشجعين بهذه المنشآت.
⦁ إطلاق برامج احتضان لأكاديميات ومراكز تكوين تابعة للأندية الوطنية أو للقطاع الخاص داخل محيط الملاعب، تتيح تدريب الناشئة، وتنظيم الدوريات المصغرة، وتحفز على استغلال المرافق الرياضية طوال أيام الأسبوع، مما يخلق حركة دائمة، ويعزز من دور الملاعب كمؤسسات مجتمعية للتكوين والترفيه، وليس فقط كفضاءات للمشاهدة.
⦁ تحفيز الاستثمار في الخدمات المرافقة للملاعب، مثل المقاهي، المتاجر، المتاحف الرياضية، والمرافق السياحية، من خلال تسهيل المساطر أمام الخواص، وتقديم تحفيزات جبائية، وتشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة المحلية على الاستفادة من الفرص الاقتصادية المحيطة بالملاعب، مما يضمن خلق مناصب شغل، وتوسيع قاعدة الاستفادة الاقتصادية من هذه المنشآت.
⦁ اعتماد خطة تسويق رقمية متكاملة تشمل إنشاء منصات إلكترونية خاصة بكل ملعب، تمكن من الحجز المسبق للتذاكر، وتأجير الفضاءات، وتتبع الفعاليات، مع الاستثمار في الإعلام الرقمي والترويج الدولي لهذه المنشآت، بما يجعلها حاضرة في أجندة الشركات ومنظمي الفعاليات، ويسهل عملية إشراك الجمهور والمستثمرين في تتبع أنشطة الملاعب ومردوديتها.
⦁ أدوار الفاعلين المعنيين
تلعب الفاعلية المؤسساتية وتكامل الأدوار بين مختلف المتدخلين دورا حاسما في ضمان نجاح مشروع تحويل الملاعب المغربية، بعد مونديال 2030، إلى مراكز ذات مردودية مستدامة، إذ لا يمكن لهذا الورش أن يفعّل فقط من خلال البنيات أو الموارد المالية، بل يتطلب تعبئة ذكية ومتناسقة لمختلف الفاعلين المعنيين، وفق منطق التشارك والنجاعة والشفافية، وفيما يلي عرض لخمس فئات رئيسية من الفاعلين، ينتظر منها الاضطلاع بأدوار محددة ومتكاملة:
⦁ الدولة عبر الوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارة الشباب والثقافة والتواصل ووزارة الاقتصاد والمالية، وهي مدعوة إلى وضع الإطار القانوني والتنظيمي المناسب لتدبير الملاعب بنموذج جديد، وتوفير التمويل الأولي للبنيات الأساسية، وضمان تكامل السياسات العمومية ذات الصلة، خاصة في مجالات التخطيط العمراني، السياحة، الاستثمار، والتكوين المهني، كما يقع على عاتق الدولة تأطير الشراكات مع القطاع الخاص، وضمان التوازن بين المردودية الاقتصادية والخدمة العمومية.
⦁ الجماعات الترابية التي تحتضن الملاعب، والتي تُمثل الفاعل الترابي الأول المسؤول عن إدماج الملاعب ضمن الرؤية المجالية المحلية، من خلال تهيئة محيطها، وتسهيل الربط بشبكات النقل والخدمات، وتخصيص مناطق لأنشطة اقتصادية داعمة، كما يُنتظر من الجماعات المساهمة في وضع إستراتيجيات لاستقطاب الأنشطة، والتنسيق مع المستثمرين المحليين والدوليين، وضمان انخراط الساكنة في استعمال الملاعب كمجال عمومي منفتح ومتعدد الوظائف.
⦁ القطاع الخاص بمختلف مكوناته الاستثمارية والتجارية والرياضية، وهو مدعو إلى تحمل مسؤولية مباشرة في استغلال الملاعب، سواء من خلال عقود التدبير المفوض، أو الشراكات المؤسساتية، أو الاستثمار المباشر في الخدمات الملحقة، ويشمل ذلك شركات تنظيم الفعاليات، والمقاولات التجارية، والمعلنين، والمستثمرين في العلامة الرياضية، حيث يشكل انخراط القطاع الخاص حجر الزاوية في ضمان مردودية الملاعب واستغلالها طيلة السنة.
⦁ النوادي الرياضية الوطنية، خاصة الأندية الكبرى صاحبة الجماهير الواسعة، وهي مطالبة بالاستقرار في هذه الملاعب، واعتمادها كمراكز رسمية لها، مما يضمن برمجة رياضية دورية تنشط هذه المنشآت، ويخلق حركة اقتصادية واجتماعية حولها، كما ينتظر من هذه الأندية الاستثمار في التكوين، والتسويق الرياضي، وتطوير تجربة الجماهير بما يربطهم بالمكان، ويحوّل الملعب إلى مجال للتفاعل المجتمعي والرياضي الدائم.
⦁ المجتمع المدني المحلي والمؤسسات التعليمية والثقافية، والتي تعتبر شريكا غير مباشر لكنه أساسي في إنجاح هذا الورش، حيث يمكن تعبئتها لتنظيم أنشطة دورية داخل الملاعب، كالمعارض، والحملات التوعوية، والدوريات المدرسية، والأنشطة الشبابية، مما يمنح الملاعب وظيفة اجتماعية موازية لوظيفتها الاقتصادية، ويرسخ صورتها كمجال مشترك ومفتوح أمام جميع فئات المجتمع، لا يقتصر على النخبة الرياضية فقط.
⦁ آليات الحكامة والتسويق الرياضي
يعد اعتماد آليات فعالة في الحكامة والتسويق الرياضي شرطا جوهريا لتحويل الملاعب المغربية إلى مراكز ذات مردودية واستدامة، فالمرافق الرياضية مهما بلغت جودتها تظل عرضة للفشل إذا لم تخضع لمنظومة تدبير احترافي، تراعي مبادئ النجاعة والشفافية والاستباقية، كما أن التسويق الرياضي يشكل اليوم عنصرا أساسيا في خلق القيمة التجارية والاقتصادية لأي منشأة رياضية، وفيما يلي خمس آليات أساسية يجدر تفعيلها:
⦁ إحداث هيئات مستقلة أو شركات جهوية مخصصة لتدبير الملاعب الكبرى وفق عقود أهداف دقيقة ومؤشرات أداء (KPI)، تعمل هذه الهيئات وفق منطق التدبير المفوض أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتكون مسؤولة عن البرمجة، التسيير المالي، الصيانة، واستقطاب الأنشطة، كما تخضع لتقارير دورية للمراقبة والتقييم، مما يضمن الشفافية، ويحمي المال العام من الهدر، ويربط المردودية بالمحاسبة.
⦁ اعتماد نظام معلوماتي موحد ورقمي لتدبير الملاعب والخدمات المرتبطة بها، يشمل منصة إلكترونية تسمح بحجز التذاكر، وتتبع الأنشطة، وكراء الفضاءات، وبيع الخدمات والمنتجات، إضافة إلى جمع المعطيات المتعلقة بحضور الجمهور، ونوع الفعاليات، ومداخيل كل نشاط، مما يسهل اتخاذ القرار ويمكن من إدارة ذكية قائمة على المعطيات الحية لا على الحدس والتقديرات العامة.
⦁ تطوير علامة تجارية قوية لكل ملعب وربطها بهوية بصرية وتسويقية مستقلة، تشمل اسما جذابا، وشعارا واضحا، ورسائل تواصلية موجهة، مما يساعد على تسويقه كمنتوج قائم بذاته، ويمنح للمستثمرين والمعلنين هوية واضحة يتفاعلون معها، كما يمكن فتح المجال أمام بيع حقوق التسمية والرعاية، في إطار عقود طويلة الأمد مع مقاولات وطنية أو متعددة الجنسيات، تساهم في تمويل الاستغلال والصيانة.
⦁ تبني خطة تسويق رياضي شاملة تستهدف مختلف الفئات، وتتنوع بين الوسائل الرقمية والتقليدية، من خلال الترويج المنتظم للأنشطة عبر شبكات التواصل، ووسائل الإعلام الوطنية، وتنظيم حملات جماهيرية داخل المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني، مع الحرص على استقطاب الجمهور العائلي والسياح والزوار، وليس فقط مشجعي كرة القدم، بما يُحول الملعب إلى وجهة مجتمعية يومية وليس إلى مرفق ظرفي محدود الوظيفة.
⦁ إبرام شراكات ذكية مع الاتحادات الرياضية، والمؤسسات الجامعية، والأكاديميات الرياضية الخاصة، تسمح بتنظيم دوريات منتظمة، وتكوينات، ومباريات استعراضية، وفعاليات علمية وثقافية داخل الملاعب، مما يعزز من ديناميتها ويوسع جمهورها المستهدف، كما تساهم هذه الشراكات في إغناء البرمجة السنوية وتخفيف التكاليف عبر تبادل الموارد والخبرات، مما يعكس مقاربة منفتحة ومندمجة في تدبير الفضاء الرياضي.
خلاصات وتوصيات
في ضوء ما تم استعراضه من معطيات وتحليلات ومقترحات عملية، يمكن بلورة سبع توصيات أساسية لضمان تحقيق المردودية المستدامة للملاعب المغربية بعد تنظيم كأس العالم 2030، وهي توصيات تتكامل فيما بينها، وتجمع بين البعد المؤسساتي، والبعد الاقتصادي، والبعد الترابي، وتسعى إلى تحويل هذه البنيات من مجرد منشآت رياضية إلى أقطاب تنموية نشطة ومندمجة، وذلك كما يلي:
أولا، إرساء إستراتيجية وطنية شاملة لما بعد المونديال، يتم إعدادها بتنسيق بين القطاعات الحكومية والهيئات الترابية والمجتمع المدني، وتُدمج في الرؤية التنموية الشاملة للبلاد، وتستند إلى أهداف واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، وتربط بين استدامة المرافق وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز الجاذبية الاقتصادية والثقافية للمدن التي تحتضن الملاعب.
ثانيا، إحداث شركات جهوية مختلطة لتدبير الملاعب الكبرى، تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص، وتمنح صلاحيات كاملة لتسيير الملاعب وفق عقود أهداف، مع إلزامها بتحقيق مردودية اقتصادية واجتماعية محددة، وتخضع لمراقبة مالية وإدارية مستقلة، مما يضمن حكامة فعالة وشفافة، ويحد من التدبير الموسمي والبيروقراطي الذي يفقد الملاعب طاقتها التشغيلية.
ثالثا، ربط الملاعب بمنظومات حضرية متكاملة، عبر تحسين البنية التحتية المحيطة بها، وتوفير وسائل النقل العمومي، والمواقف، والفضاءات الخضراء، والمرافق التجارية والخدماتية، مما يُعزز من اندماجها في النسيج العمراني، ويجعلها قطبًا جاذبًا للسكان والزوار، ويمكّن من خلق دينامية اقتصادية مستمرة تمتد إلى محيطها.
رابعا، تأهيل الفرق الوطنية الكبرى وضمان استقرارها في الملاعب المونديالية، مع توفير الشروط اللوجستيكية والتنظيمية التي تسمح لها بتحقيق نتائج رياضية ومردودية جماهيرية، وتشجيع الأندية على الانخراط في مشاريع الاستثمار في البنية التحتية، والتسويق الرياضي، وتطوير تجربة المشجعين، بما يخلق حركة منتظمة داخل الملاعب ويمنحها شرعية جماهيرية حقيقية.
خامسا، استغلال الملاعب كفضاءات متعددة الوظائف، من خلال فتحها أمام تنظيم فعاليات ثقافية، وفنية، وتجارية، ومجتمعية، على مدار السنة، مع تنويع البرامج لتشمل كل فئات المجتمع، وتخصيص صيغ للاستعمال من قبل المدارس، والجامعات، والفاعلين المدنيين، مما يُكرّس صورة الملاعب كملك عمومي مشترك ومجال منفتح على الجميع.
سادسا، اعتماد خطة تسويقية وطنية ودولية للملاعب المغربية، تشمل بناء هوية بصرية وتجارية لكل ملعب، وتسويقها عبر المنصات الرقمية، وشبكات التواصل، والإعلام الرياضي العالمي، مع التركيز على بيع حقوق التسمية، وعقود الإشهار، وتنظيم تظاهرات دولية، مما يدر مداخيل مستمرة، ويُعزز من صورة المغرب كوجهة رياضية وثقافية.
سابعا، الاستثمار في التكوين وبناء كفاءات بشرية متخصصة في تدبير المنشآت الرياضية، من خلال شراكات مع الجامعات، والمدارس العليا، والاتحادات الدولية، مع خلق برامج مهنية لتأهيل المسيرين، والمراقبين، والمروجين، والمسؤولين التقنيين، لأن نجاح أي مشروع استثماري مرتبط بالكفاءة البشرية التي تديره، وتضمن تطوره وتكيّفه مع المتغيرات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.