تسعى الصين لاستضافة مونديال 2026 لكرة القدم، وهو الهدف الذي تطلع لتحقيقه بكل قوة، دون أن تألوا جهدا أو تبخل بالموارد، فبجانب مدرسة (ايفرغراند فوتبول) التي تقيمها في مدينة جوانغتشو الواقعة جنوب غربي الصين، والتي تضم أكثر من ثلاثة الاف طفل، تفكر الصين في إقامة 20 ألف أخرى خلال السنوات الثلاثة المقبلة.
ولكن انجازات البلد الأكبر في العالم من حيث عدد السكان، والذي يبلغ مليار و367 مليون نسمة، في مجال كرة القدم وشعبيتها لا تتناسب مع موارده البشرية والاقتصادية وما حققه في رياضات أخرى.
فالصين لم تشارك في بطولة كأس العالم سوى في مرة وحيدة عام 2002، حيث خرجت من الدور الأول بعد أن تجرعت ثلاث هزائم.
وبعد النجاح الذي حققته في تنظيم دورة الألعاب الأوليمبية بكين 2008 وضعت سلطات البلد الآسيوي مشروعا ضخما لزيادة شعبية كرة القدم ونصب عينيها مونديال 2026 الذي تسعى لتنظيمه.
وبدأت في وضع الأسس لتحقيق هذا الهدف من خلال انشاء مدارس لكرة القدم والتعاقد مع مختصين لتدريب الناشئين. وكانت الخطوة الأولى الملموسة في هذا السياق في 2012 بتدشين مدرسة (ايفرغاند فوتبول سكول) في مدينة غوانجتشو الواقعة جنوبي الصين، وهي الأكبر من نوعها في العالم.
فهي تضم أكثر من ثلاثة الاف طفل تتراوح أعمارهم بين تسعة و16 عاما، وبها أكثر من 40 ملعبا لكرة قدم، إضافة إلى معمل على مساحة ثمانية الاف و700 متر مربع، ومكتبة وغرف للطلاب، فضلا عن المنشآت المخصصة لقضاء أوقات الفراغ.
وتطلب إقامة هذا المشروع استثمارات بقيمة 122 مليون دولار قدمتها شركة (ايفرغراند) العقارية التي يمتلكها الملياردير الصيني شو جيان يي، صاحب فريق غوانجتشو ايفرجاند، البطل الحالي لدوري أبطال آسيا.
وتم بناء كل هذا خلال عشرة أشهر على أمل الوصول إلى عشرة الاف ملتحق خلال السنوات المقبلة في المشروع الذي تتعاون فيه مع أكاديمية ريال مدريد وشركة (سوكسنا) الإسبانية المختصة في هذا المجال.
ويقول ميغل أنخل هرناندز، المدير التنفيذي للشركة الإسبانية، إن الركيزة الأولى التي يقوم عليها المشروع “ارسال مدربين إلى تلك المدرسة. حاليا هناك 22 مدربا يقومون بتدريب الأطفال وكذلك المدربين”.
وأوضح “السلطات الصينية أدركت أن التعاقد مع أفضل اللاعبين ليس السبيل للتقدم في كرة القدم وانما البدء من النشأ. من جانب اعتبار كرة القدم مادة أساسية في المدارس الحكومية، ومن جانب آخر، تأهيل 100 ألف مدرب واقامة 20 ألف مدرسة كرة القدم خلال السنوات الثلاثة المقبلة”.
وأشار إلى أن كرة القدم الإسبانية أصبحت مرجعية عالمية وهو ما دفع الشركة للتعاقد مع نخبة مدربي الناشئين لتعليمهم فنيات وأسس هذه الرياضة.
وأضاف أن “النجاح الأكبر لكرة القدم الإسبانية، بعيدا عن الفوز بكأس الأمم الأوروبية 2008 و2012 ومونديال 2010 يكمن في تأهيل الناشئين”، موضحا أنها تجربة يحتذى بها.
وتابع “ينبغي علينا تصدير كرة القدم. نقوم بذلك أقل بكثير مما ينبغي علينا فعله، نحن على قناعة بأنها صناعة هامة جدا لزيادة اجمالي الناتج المحلي الإسباني”.
وأوضح أن الركيزة الثانية للمشروع، الذي بدأ العمل فيه منذ 2011، تمثلت في اختيار أفضل 25 لاعبا من هذه المدرسة الصينية واتاحة فرصة استكمال تأهيلهم في العاصمة مدريد.
ويتلقى “المختارون” تعليمهم صباحا وفي المساء حيث يتدربون في منشآت واقعة في ضواحي العاصمة الإسبانية وفق برنامج احترافي للتدريب دون الاخلال بتعليمهم الأكاديمي.
وسينضم إلى هؤلاء الناشئين، مواليد 2001، مجموعة أخرى العام المقبل ومثلهم في 2017، ليصل بهذا اجمالي الناشئين الصينيين الذين يكملون تأهيلهم في مدريد 75 خلال ثلاث سنوات.
وأردف هرناندز “رغبة الرئيس الصيني هي أن يتلقى الأطفال تعليمهم خارج البلاد، وألا يقتصر الأمر على كرة القدم”.
وأضاف “لاعب كرة القدم الصيني يتمتع بقدرات فنية جيدة، ما ينبغي تحسينه هو عملية اتخاذ القرار”، مشيرا إلى أن الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها الرياضات الفردية تؤثر على عقلية الناشئين، وهو الأمر الجاري التعامل معه.
ويرافق هؤلاء “المختارين” عدد من المدربين الصينيين، بينهم كوم، الذي لا ينفصل عنهم. ويقول، قبل دقائق من بدء أحد التدريبات، “المدربون الإسبان يعتنون بكم أكبر من التفاصيل، مثل التمركز في الملعب”.
وأوضح “لابد من تعلم الكثير. نحاول التفكير مثل اللاعب الإسباني وهو من الطراز الرفيع والتأقلم على طريقة التفكير هذه”.
ويرى أن المسافة الطويلة لا تمثل مشكلة بالنسبة للناشئين الذين يسافرون إلى إسبانيا، مشيرا “فهم على اتصال بذويهم، ونحن هنا لنعتني بهم وتوفير أجواء أسرية. تقع على عاتقنا هذه المسئولينا، ونبذل قصارى جهدنا في هذا الصدد”.
وأبرز “كرة القدم تروق للجميع، ولكن هناك أشخاص لا يمكنهم الوصول إلى هذه الرياضة ومبادرات كهذه تنتشر بين المواطنين”.
ويرى مسئول الشركة الإسبانية أن كرة القدم أصبحت “قضية تخص الدولة” الصينية وتتعامل معها بصورة جدية للغاية جعلتها تصيغ وثيقة جاء فيها أن الصناعة المقبلة ذات الثقل في البلد الاسيوي ستكون الرياضة بصورة عامة، وكرة القدم بصورة خاصة.
وأشار إلى أن لديهم الكثير من الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك “فمن جانب تعمل على تحسين الصحة العامة، نظرا لارتفاع مؤشر البدانة في الصين (62 مليون شخص رسميا)، كما أن الضغط الذي يعاني منه التلاميذ في المراحل قبل الجامعية كبير للغاية، لذا فإن الرياضة بمثابة متنفس لهم”.
وإزاء امكانية تنظيم مونديال 2026 تعتقد السلطات أنها “ستساعدها على التفاهم بصورة أفضل مع الجميع” لأن كرة القدم وسيلة للتواصل لا تعترف بالحدود.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.