مازالت انفعالاته وتحركاته يمينا وشمالا في دكة البدلاء لصنع انتفاضات لاعبيه عالقةً في أذهان “الرجاويين” كما “الوداديين”.. بل إن نظرته العميقة التي تقودك مرغماً إلى الانغماس في ماهيته تؤثث ذكرى عشاق الكرة في إفريقيا، بعد أن طارت به مكنسته لنثر سحره الفني في كل أنحاء القارة وتسخير خبرته التقنية في تدريب أكبر الأندية الإفريقية.
هو أوسكار فيلوني، “الداهية” الأرجنتيني الذي باغته الموت، أمس الاثنين، عن عمر يناهز 78، قضاه في كتابة أشعار الحب للمستديرة وهو طفل بالكاد يستطيع التوفيق بين ميوله الأدبي وموهبته الكروية، قبل أن ينجذب إلى “الجلدة” مع توالي السنوات، ويقرر احتراف اللعب في بلاد “التانغو” التي طالما كانت ولاّدة للاعبين بصموا تاريخ الكرة.
ترنح بين القارات، وتقاذفته التجارب هنا وهناك، فصار لاعبا بداية ستينيات القرن الماضي، قضى تجربتين في ظرف سنتين مع فريقين محليين هناك في الأرجنتين، قبل أن يقرر حزم حقائبه ولعب ورقة الاحتراف في إسبانيا، ثم إنجلترا، إلا أن مساره لاعبا لم يكن موفقا إلى ذلك الحد الذي كان يحلم به الفتى المدلل لمدينة لابلاطا الأرجنتينية، فأبى إلا أن يواصل رحلة البحث عن المجد، واقتحام عالم التدريب عله يكون القدر الخفي.. كيف لا وهو الذي طالما كان مؤمنا بأن اسمه ستردده آلاف الحناجر يوما؛ إن لم يكن ذلك وهو لاعب، فمدربا!
قادته الأقدار بعد تدريب ناد محلي في الأرجنتين ثم فريق آخر من النرويج وإنجلترا، إلى حط رحاله في القارة السمراء، إذ لم يكن ينتظر أن ينفجر حسه التكتيكي في أدغال إفريقيا، ويكون ملك الألقاب القارية، حيث توج مع أسيك ميموزا الإيفواري محليا وقاريا، وصنع ملاحم الرجاء البيضاوي عام 1999 بقيادته لتتويج النسور ببطولة الدوري وكأس العصبة التي قادته لموندياليتو البرازيل، وكأس السوبر الإفريقي، فضلا عن كأس أبطال العرب في 2006، قبل أن يعاود الكرة مع الغريم، الوداد البيضاوي، عندما توج معه ببطولة 2002 وكأس الكؤوس الإفريقية عن السنة نفسها، الأمر الذي جعله من بين الرجالات القلائل الذين يحظون باحترام الجمهورين، “الأخضر” و”الأحمر”.
لامس النجومية وعاث في المغرب تألقا، وتأنق بثوب البطل في مرات عديدة، لكنه لم يكن يدري أنه سيغادر الساحة بالورقة الحمراء، عندما انقلبت أحواله رأسا على عقب، ليجد نفسه سائرا في درب المعاناة وحيدا، فبات ذلك الرجل المفعم بالحياة والأمل بشكل غير عاد، يرى بعينيه الزرقاوين كل شيء يحيط به أسود، بل ودفعه اليأس إلى التفكير في الانتحار في غير ما مرة، عندما خذله مسؤولو الكرة في المغرب، وأثناء فترة مرض زوجته وبعد مماتها قبل سنتين، قبل أن يستسلم للمصير ويمنح نفسه استراحة محارب بعدما أنهكته الألقاب وبعدها نكسات الحياة، قبل أن يباغته الموت وهو في معقل مجده، الدار البيضاء.
دخل أرض الوطن صانعا لأفراح الأسيك، وأكد حرفيته في عالم التدريب مع الرجاء والوداد وآخرين، قبل أن يلفه النسيان عندما نال منه الزمان و”لاح الشرويطة” كما تخلص من الضمادة لتي لازمت يده لسنوات، وقلب النكران جمرة مواجعه، التي لم يخفف منها سوى العرفان الأبدي للجماهير التي عاشت معه الأفراح، فكان اسمه على رأس قائمة أغنية “بالابرا غراندي” التي يرددها جمهور “الماكانا” كلما أتيحت له الفرصة، تكريما له، كما زينت صورته “الكورفا سود” قبل عامين في “تيفو” يخلد لأهم محطات الفريق “الأخضر” في عصبة الأبطال الإفريقية، قبل أن يغادر بوم أمس بيته المتواضع وسط الدار البيضاء إلى دار البقاء في غياب تام للمسؤولين عن الشأن الكروي، وسط معاناة تواصلت حتى بعد مماته بمواجهة ابنه “جينيور” صعوبات كبيرة في نقل أبيه للدفن بمسقط رأسه في الأرجنتين.
رحل “الداهية” إذن.. ترّجل نحو أجله المحتوم.. غادر “ملعب الحياة.. وانتهت حكاية أوسكار فيلوني.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.